تنوع ثقافي

لمحة موجزة عن أسباب نشأة وتطور الإعلان العالمي لليونسكو بشأن التنوع الثقافي

شهد العالم نشوب نزاعات وصراعات كثيراً ما تعزى إلى الثقافات والحضارات، مما أثر تأثيراً بالغاً على العلاقات الدولية والمصالح الاقتصادية والتجارية المرتبطة بها، وقد قطعت اليونسكو شوطاً كبيراً منذ نصف قرن في دفاعها الدؤوب عن التنوع الثقافي وثرائه من خلال تنفيذ العديد من المشروعات والبرامج التي تدعم التنوع الثقافي.

ولا بدَّ لهذا العمل المستمر من أن يأخذ اليوم في الحسبان تحديات جديدة، يزيدها حدة انتشار عملية العولمة وما تجلبه في نفس الوقت من فرص للتعبير والتجديد لم يسبق لها مثيل ومن أخطار تهدد بتهميش الثقافات الأكثر هشاشة، فإن اليونسكو أخذت على عاتقها الدفاع عن هذا التنوع في مرحلة حاسمة من تاريخ الإنسانية تم فيها الإعلان العالمي لليونسكو بشأن التنوع الثقافي.

شمل فيه مجموعة من المواد تؤكد أنه ينبغي أن يُنظر إلى الثقافة بوصفها مجمل السمات المميزة، الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتصف بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية، وعلى أنها تشمل إلى جانب الفنون والآداب طرائق الحياة، وأساليب العيش معاً، ونظم القيم والتقاليد، والمعتقدات.

كما أكد الإعلان أن الثقافة تحتل مكان الصدارة في المناقشات المعاصرة بشأن الهوية والتماسك الاجتماعي وتنمية اقتصاد قائم على المعرفة، مشيراً إلى أن احترام تنوع الثقافات، والتسامح، والحوار، والتعاون، في جوّ من الثقة والتفاهم، خير ضمان لتحقيق السلام والأمن الدوليين.

وتعتبر وثيقة التنوع الثقافي سابقة للمجتمع الدولي، ذلك أنها وضعت التنوع الثقافي في مرتبة التراث المشترك للإنسانية، الذي يعتبر ضرورياً للجنس البشري، مثله مثل ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية.

أما فيما يخص قيمته القانونية فلقد بات تقليدياً ومألوفاً القول بأن الإعلان العالمي للتنوع الثقافي ملزم معنوياً وأدبياً للدول، لاستناده لمجموعة كبيرة من المواثيق والاتفاقيات الدولية، التي أكسبته مرجعية أساسية للحقوق الثقافية كما غدا من نافلة القول التأكيد على أن عدداً من الحقوق الواردة فيه أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي، وحتى الحقوق التي لم تتمتع بهذه الصفة إلى الآن، فإنها مقبولة ومعترف بها بصورة واسعة من جانب الدول.

ولعل أهمية الإعلان وقيمته القانونية الصرفة تكمن باعتراف واضعيه كما جاء في ديباجة الإعلان في أن “هذا العمل بالنسبة لجميع الأمم يُعد واجباً مقدساً ينبغي القيام به في روح من التعاون المتبادل”.

ويلاحظ في هذا الشأن أن الإعلان لم يحدد متى يتوجب على الأمم القيام به؟ أي أنه بمثابة نقطة للبدء ويتوجب على الدول أن تصل في يوم من الأيام إلى ما يحتويه من مبادئ ومثل؛ فهو بمثابة برنامج عمل لا مناص للدول من تحقيقه.

ويعزى اختيار أسلوب الإعلان وتفضيله على أسلوب الاتفاقية الدولية إلى القناعة التي كانت سائدة حينذاك بأن غالبية الدول لن تقبل الالتزام فوراً باتفاقية دولية تتضمن التزامات محددة ومباشرة في مجال حقوق الإنسان الثقافية، فلابد من وضع الإعلان أولاً الذي يعتبر بمثابة حجر الأساس للاتفاقيات المستمدة من مجمل ما يحتويه تفصيلاً.

كما تبدو أهمية الإعلان وقيمته القانونية على الصعيد الدولي من خلال تأكيد العديد من الصكوك الدولية على تطبيقه العالمي، بوصفه معياراً دولياً لحماية حقوق الإنسان الثقافية. حيث تتفرع جذور الإعلان في الواقع إلى القانون الدولي والقوانين الداخلية لدول عديدة .

فعلى صعيد القانون الدولي: استند الإعلان لمجموعة اتفاقيات دولية ملزمة قانوناً بطبيعة الحال كالاتفاقيات التي صدرت فيها الحقوق الثقافية مثل: المادة:(19-26-27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة: (13-15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمادة: (1) من إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي، والمادة: (1) من إعلان الحق في التنمية، والمادة: (2) من إعلان مكسيكو سيتي بشأن السياسات الثقافية، وتوصية بشأن مشاركة الجماهير في الحياة الثقافية وإسهامها فيها.

وثمة مواد ومبادئ وتوجيهات ذُكرت في اتفاقيات وإعلانات وتقارير دولية أخرى تعزز مضامين التنوع الثقافي، المذكورة في الإعلان العالمي للتنوع الثقافي والتي ستُذكر في ثنايا هذه الدراسة لاحقاً. أما على الصعيد الوطني، فإن الدساتير والتشريعات الوطنية عادة ما تردد النصوص الواردة في الإعلان، وبعضها يعلن صراحة تقيده بأحكامه وبالحقوق المقررة بمقتضاه.

ولا تقتصر الإشارة للإعلان على الدساتير والتشريعات الوطنية فقط، بل ويمكن الدفاع عن القوة الإلزامية للإعلان بالنظر إليه كتفسير رسمي ومعتمد للنصوص الخاصة بحقوق الإنسان الثقافية في ميثاق الأمم المتحدة، الذي هو عبارة عن معاهدة دولية ملزمة لأطرافها. وبمعنى آخر، فإن الإعلان العالمي للتنوع الثقافي يمثل إعلاناً تفسيرياً صادراً من جهة مختصة داخل الأمم المتحدة يضيء عدداً من الجوانب ذات الصلة بنصوص حقوق الإنسان المدرجة في الميثاق.

ومما يؤيد وجهة النظر هذه أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدته عام 2002م ورحبت بالخطوط الرئيسية لخطة العمل التي تم إعدادها من أجل تنفيذه، بل وأعلنت 21أيار/ مايو يوماً عالميا للتنوع الثقافي.

ومما يدل على قيمته وأهميته إصدار عدد من الوثائق التقنينية في شكل اتفاقيات أو إعلانات أو توصيات تعزز التنوع الثقافي إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة . بالإضافة إلى تأسيس عدد من كراسي الأبحاث الجامعية للتنوع الثقافي في شتى بلدان العالم، والذي يُعزز من قوته القانونية والأدبية، ومنها على سبيل المثال: كرسي اليونسكو في علم الجمال وعلم الاجتماع من الاختلاف والتنوع الثقافي ، وكرسي اليونسكو في الاتصالات متعددة اللغات، عبر الثقافات في العصر الرقمي، وكرسي اليونسكو في البحوث المتعلقة بالتراث الثقافي غير المادي والتنوع الثقافي.

بالإضافة إلى موقف المنظمات المتخصصة في نفس المجال (الكسو-وإيسيسكو)، وجهودها في تعزيز الشراكة والتعاون الدولي مع منظمة اليونسكو، وذلك من خلال إصدار الإعلانات والقرارات والتوصيات المؤيدة في المجال الثقافي مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية المستمدة من المنهج الإسلامي. والقارئ المتتبع لديباجة بعض قرارات الأمم المتحدة الصادرة في ذات الشأن الثقافي، وكذلك المواثيق، والاتفاقيات، والقرارات والتوصيات، أنها تسترشد، وتستلهم، وتؤيد، وتشير، إلى مبادئ الإعلان العالمي لليونسكو بشأن التنوع الثقافي، منها على سبيل المثال: “ميثاق النهضة الثقافية الأفريقية”.


المرجع: التنوع الثقافي في إعلان اليونسكو وموقف الإسلام منه -دراسة تحليلية-

المؤلف: د. نوال الشافعي .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى